الشيخ محمد هادي معرفة
389
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
تعالى : « يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا » . « 1 » ومنها غير ذلك حسبما فصّله علماء البيان ، فراجع . « 2 » إيجاز قصر وهو ما لاحذف فيه ولا تقدير ، سوى أنّه من قليل اللفظ كثير المعنى ، ويكون نضد الكلمات بحيث لا يوجد بينها لفظ زائد ، حتى لو أزيل لفظ من موضعه أو رفعت كلمة أو أبدلت إلى غيرها لاختلّ المعنى وأفاد غير المقصود ، وهذا من البلاغة بمكان ، وقد يبلغ حدّ الإعجاز كما في القرآن . فممّا جاء منه قوله تعالى : « قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ . مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ . مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ . ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ . ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ . ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ » . « 3 » فقوله : « قُتِلَ الْإِنْسانُ . . . » دعاءٌ عليه . وقوله : « ما أَكْفَرَهُ . . . » تعجّب من إفراطه في كفران نعم اللّه عليه . قال ابن الأثير : ولا نرى أسلوبا أغلظ من هذا الدعاء والتعجّب ، ولا أخشن مسّا ، ولا أدلّ على سخط ، مع تقارب طرفيه ، ولا أجمع للأئمّة ، على قصر متنه . ثمّ إنّه أخذ في صفة حاله من ابتداء حدوثه إلى منتهى أجله ومآل أمره ، فقال : « مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ » . ثمّ بيّن الشيء الذي خلق منه : « مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ » أي هيّأه لما يصلح له . « ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ » أي سهّل سبيله ، وهو مخرجه من بطن امِّه . أو السبيل الذي يختار سلوكه في الحياة من خير أو شرّ . « ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ » أي جعله ذا قبر يواري فيه . « ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ » أي أحياه ليوم النشور . « كَلَّا » ردع لهذا الإنسان الكفور ، العاتي ، العاصي لأمر ربّه الكريم .
--> ( 1 ) - يوسف 29 : 12 . ( 2 ) - معترك الأقران ، ج 1 ، ص 305 - 308 . ( 3 ) - عبس 17 : 80 - 23 .